حامد موسى يكتب : فى ذكرى مئويه عبد الناصر زعيم خالد ومجد لايغيب

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 15 يناير 2018 - 5:35 مساءً
حامد موسى يكتب : فى ذكرى مئويه عبد الناصر زعيم خالد ومجد لايغيب

تفتح وعيى عليه لاول مره يوم اعلان وفاته ومشاركتى فى جنازته الرمزيه التى اقيمت له فى تلك القريه الفقيره التى هاجرنا اليها اسوه بكافه قرى ومدن الجمهوريه كنت وقتها فى السابعه من عمرى عندما خرجت مذعورا انا وابى وامى واخوتى على صوت طرق عنيف على باب بيتنا الذى كنا نسكنه كان الطرق عنيفا وملتاعا مصحوبا بصوت جهورى لاحد جيراننا يصيح قائلا ( ابو عادل ابو عادل قوم قوم عبد الناصر مات )

لم يصدق ابى الخبر لاول وهله فيما اخذتنا نحن الصغار رجفه غامضه وخوف مبهم من هذا الخبر الداهم وحينما شاركت انا وعدد من الصبيه فى مثل عمرى الجموع الغفيره فى جنازته الرمزيه التى صنعت له كنت ماخوذا بهذا الجو الاسطورى لجنازته كانت الجنازه مهيبه وقفنا نحن الاطفال الصغار صفا واحدا بعرض الشارع ووضع فوقنا قوس حديدى يمسكه اثنان من طرفيه تعلوه ورود ملونه وتتوسطه صورته بملامحه الحاده المهيبه وامامنا وخلفنا الجماهير الغفيره تحمل النعش الرمزى على اكتافها وتردد حناجرها الباكيه خلف ابى الذى احتملوه على الاعناق ( لا اله الا الله عبد الناصر حبيب الله ) وقتها شعرت بحزن شفيف ممزوج بالدهشه لم اكن وقتها ادرك كنه ومعنى زعيم يموت كما لم اعى سرهذا الحزن والتعلق الشديد به لكن اسرتنى تلك الحشود الباكيه والدامعه على رحيله من فئات الشعب الفقيره كان معظمهم يرتدى الجلابيب والعمه الصعيدى يبكون بحرقه لم استطع وقتها ان اربط بين حميّه تلك المشاعر وبين الزعيم الراحل لكنى كنت مدركا على نحو غامض بان ثمه شيئ قدرى ومصيرى يربط بين هؤلاء الجماهير وبين ناصر (حبيب الملايين) كما لاح فى اللافتات التى وضعت على جانبى نعشه انطلقت الحشود الهادره فى شوارع القريه واكتظت بها ازقتها الضيقه ولاشيئ وقتها غير هذا الحزن السادر وصوره المرفوعه بطلته الاسره والمهيبه ووجهه الصارم وقامته المديده والشيب الابيض يزين فوديه وقتها ايقنت ان ثمه زعيم اسطورى اتى من رحم تلك الحكايا الاسطوريه التى كانت تلقيها جدتى وامى على مسامعنا نحن الصغار كانت تلك هى الصوره التى ارتسمت له فى مخيلتى انذاك وكانت هذه الجنازه الرمزيه التى شاركت فيها هى التى بقت له فى ذاكرتى من سنوات الطفوله الاولى قبلها وخلال سنواتى الاولى كنت اسمع داخل معسكر المهجرين الذى كنا نسكنه فى تلك القريه البعيده تعليقات ابى واصدقاءه الكبارعنه وعن خطبه التى كانوا يستمعون اليها عبر المذياع فى انصات واعجاب شديدين كاّنّ على رؤسهم الطير كان صوته الجهوري المميز عندما ينطلق (ايها الاخوه المواطنون) هو اكثر مايلفتنى اليه دون ان ادرك مغزى مايقول فلم يكن وعييى السياسى قد تشكل بعد لكنى ادركت وقتها ان ثمه خصوصيه تربطه بنا نحن ابناء بورسعيد على وجه الخصوص وربما وعيت طفلا ونحن فى بورسعيد قبل تهجيرنا حضوره اللافت والمميز الى بورسعيد فى مناسبه ذكرى العدوان الثلاثى والذى اصبح عيدا قوميا لبورسعيد فيما بعد تاكد ذلك لى عندما كنت ارى صورته المهيبه بلونيها الابيض والاسود تتصدر جدارن كل بيت بالداخل وعلى مداخل شوارع المدينه وحوانيتها ومقاهيها كايقونه عشق دائم وعندما مات رايت الشريط الاسود يوضع على تلك الصور كعلامه على حزن دائم ومقيم داخل كل بيت كانت الايام وقتها حبلى بالاحداث والمعارك السياسيه .

قبلها بثلاث سنوات كانت احداث نكسه 67 المريره مازال رجع اصداؤها يتردد فى وجدان وعقول الشعب تلاها اعلانه عن التنحى ورد فعل الجماهير الرافضه لهذا التنحى عقب الهزيمه واصرارها على استمراره رغم كل شيئ ادركت فيما بعد كيف ان الجماهير يمكن لها ان تغفر لاى زعيم اخطاءه اذا مابادلته حبا بحب وعشقا بعشق بشرط ان يكون حبا حقيقيا غير مصنوع ولطالما حاولت تفسير ذلك العشق بين عبد الناصر وبين الجماهير خاصه ابناء بورسعيد المتفرده دوما ووجدت ان السر يكمن فى ذلك الشعور بالعزه والكرامه الذى سربه عبد الناصر الى قلوب وعقول الجماهير بصدق وودون تصنع او زيف لانه كان صادقا فيه ليس بالشعارات او الادعاءات فقط ولكن بافعاله وادركت ايضا ان الجماهير تقدر كثيرا فى الحاكم حرصه الدائم والصادق على عزه وكرامه شعبه ربما قبل اى شيئ اخر ادرك ذلك جمال عبد الناصر كما ادرك ان الجماهير خاصه الفقيره منها تريد ان تحيا مرفوعه الراس فانحاز اليها وعمل على راحتها وانجز كل مشرعاته الكبرى لهؤلاء الفقراء فاعاد توزيع الاراضى على الفلاحين وبنى السد العالى وامم قناه السوبس لتعود ملكيتها الى الشعب وانشا المصانع وبنى السدود ووقف موقف العزه والكرامه ضد دول الاستعمار وكانت صيحته الشهيره (ارفع راسك يااخى فقد مضى عهد الاستعمار) لها مفعول السحر فى حشد طاقات الجماهير توحد عبد الناصر مع الفقراء وتناغم مع الطبقات الكادحه وعمل من اجلها فعاش حيا فى وجدان الجماهير حتى الان وبقت ذكراه مشتعله تتجدد كل عام رغم سنوات الغياب ومن مبادئه التى امن بها قوله ( لايمكن باى حال من الاحوال ان يكون الغنى ارثا والفقر ارثا والنفوذ ارثا والذل ارثا ولكن نريد العداله الاجتماعيه ولاسبيل لنا الى ذلك الاباذابه الفوارق بين الطبقات ) لقد كان عبد الناصر حاضرا فى مفردات الحياه اليوميه للمصريين وكان انتاج المصانع التى انشاها اوتلك التى اممها تصب فى الحياه اليوميه للمصريين كانتاج احذيه (باتا) الشهيره حيث كانت العائلة تذهب بجميع أفرادها في رحلة سنوية إلى محلات «باتا»، بالتزامن مع بداية الموسم الدراسي عادة أو قبل الأعياد والمناسبات لشراء مستلزمات افرادها منها وسيارت مصنع نصر التى اقبلت عليها الطبقه المتوسطه ومصانع الغزل والنسيج التى انتجت الاقمشه الشعبيه الشهيره (الكستور ) الذى كان يتم توزيعه على بطاقات التموين مثل الزيت والسكر ليعتبر الكساء الشعبى للمصريين لكل ذلك امنت الجماهير بعبد الناصروتفاعلت معه كما تفاعلت معه شعوب العالم الاخرى التى كانت تتوق الى الحريه والكرامه فلم يكن عبد الناصر زعيما محليا فقط بل كان زعيما عالميا الهم شعوب العالم بمبادئه التى دعت الى حريه وكرامه الشعوب ورفضها للعبوديه والخضوع للاستعمار هل كان عبد الناصر نبيا او ملاكا ؟ بالطبع لا لم يكن عبد الناصر نبيا او ملاكا بل كان بشرا عاديا يخطئ ويصيب لكنه كان صادقا فى كل مااخطئ واصاب وكانت له كاريزما خاصه اسرت قلوب محبيه لكل ذلك احبته الجماهير لانه صدق معها فصدقته وامن بها فامنت به ان اكثر ماتكرهه الشعوب ان يكذب عليها او يستخف بها فهى اذكى كثيرا مما يظن بها رحم الله الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الذى رحل عنا جسدا لكنه ظل زعيما خالدا ومجدا لايغيب

رابط مختصر Share